مصطفى صادق الرافعي

218

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

نحن بنو أب واحد ، ونراك تكلم وفود العرب بما لا نفهم أكثره ! فقال عليه الصلاة والسلام : « أدّبني ربي فأحسن تأديبي » . ومن ذلك كتبه الغريبة التي كان يمليها « 1 » ويبعث بها إلى قبائل العرب يخاطبهم فيهم بلحونهم ولا يعدو ألفاظهم وعبارتهم فيما يريد أن يلقيه إليهم ، وهي ألفاظ خاصة بهم وبمن يداخلهم ويقاربهم ، ولا تجوز في غير أرضهم ولا تسير عنهم فيما يسير من أخبارهم ، ولا تأتلف مع أوضاع اللغة القرشية فما ندري أي ذلك أعجب : أن ينفرد النبي صلّى اللّه عليه وسلم بمعرفة هذا الغريب من ألسنة العرب دون قومه وغير قومه ممن ليس ذلك في لسانهم ، عن غير تعليم ولا تلقين ولا رواية ، أو أن يكون قومه من قريش قد ضربوا في الأرض للتجارة حتى اشتقّ اسمهم منها « 2 » ، وخالطوا العرب وسمعوا مناطقهم في أرضهم ، وحين يتوافون إليهم في موسم الحج ، وهم مع ذلك لا يعلمون من هذا الغريب بعض ما يعلمه ، ولا يديرونه في ألسنتهم ، ولا يورثونه أعقابهم فيما ينشئون عليه من السماع والمحاكاة ؛ حتى كان هذا الباب فيه صلّى اللّه عليه وسلم بابا على حدة ، كما يؤخذ كل ذلك من قول علي : « نحن بنو أب واحد ونراك تكلم وفود العرب بما لا نفهم أكثره » ، فليس العجب في أحد القسمين إلا في وزن العجب من الآخر .

--> بكلام غريب من لغة قومه ، أجابه عنه صلّى اللّه عليه وسلم ودعا لهم ، ثم كتب معهم كتابا إلى بني نهد ؛ وكل ذلك نقله صاحب ( المثل السائر ) في كتابه صفحة 97 من الطبعة الأميرية وكلام طهفة أيضا في كتاب الوفود من ( العقد الفريد ) ولكنه هناك قد ذهب به التحريف كل مذهب حتى اسم طهفة نفسه ، فإنه هناك ( طهبة ) ، وهو غير صحيح ، وغير المشهور ، فإن طهفة اثنان : أحدهما النهدي ، والثاني ابن قيس الغفاري ، وكلاهما صحابي ؛ والاختلاف في اسم هذا دون ذاك ، على وجوه متعددة ، آخرها طهية . وكل ما ورد الغريب في كلام طهفة النهدي ، وفي كلام النبي صلّى اللّه عليه وسلم شرحه ابن الأثير في مواضعه من كتابه ( النهاية في غريب الحديث والأثر ) فالتمسه إن أردته ، فإن الاستقصاء في هذا الباب ليس من غرض كتابنا . ( 1 ) ولا يفوتنا أن ننبه على أن صناعة الكتابة إنما كان ابتداء تمثيلها بما صدر عنه صلّى اللّه عليه وسلم من الكتاب ، ولم يكن ذلك من أمر العرب قبله ، إنما كانوا يستودعون رسائلهم في الألسنة ، وقد أحصوا من كتبوا عنه الوحي والرسائل فعدّهم ابن عساكر في ( تاريخ دمشق ) ثلاثة وعشرين ، وكان أكثرهم كتابة زيد بن ثابت ، ومعاوية بن أبي سفيان . ( 2 ) قال الجاحظ في بعض رسائله ؛ قد علم المسلمون أن خيرته تعالى من خلقه ، وصفيه من عباده ، والمؤتمن على وحيه - من أهل بيت التجارة : وهي معولهم ، وعليها معتمدهم ، وهي صناعة سلفهم ، وسيرة خلفهم . . . وبالتجارة كانوا يعرفون . ولذلك قالت كاهنة اليمن : للّه در الديار ، لقريش التجار ، وليس قولهم ( قرشي ) ، كقولهم هاشمي وزهري وتميمي ، لأنه لم يكن لهم أب يسمى قريشا فينسبون إليه ، ولكنه اسم اشتق لهم من التجارة والتقريش . ا ه - . وقال في رسالة أخرى : إنهم كانوا إذا أخرجوا التجارة علقوا عليها المقل ولحاء الشجر حتى يعرفوه فلا يقتلهم أحد .